الشيخ

النسب:

الإمام النسيب والسيد الكبير، الفقيه المدقق والصوفي الزاهد، جمال الفضلاء وسليل الأولياء، تاج المحدثين وقدوة المحققين، صاحب التفسير وآية علم الحديث، الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي.

أبو زيد عبد الرحمان، بن محمد، بن مخلوف، بن طلحة، ابن عامر، ابن نوفل، بن عامر، بن منصور، بن محمد، بن سباع، بن مكي، بن ثعلبة، بن موسى، بن سعيد بن مفضل، بن عبد البر، ابن قيس، ابن هلال، ابن عامر، بن حسان، بن محمد بن جعفر، بن أبى طالب. وفي رواية أخرى : بن حسان بن عبد الله بن جعفر”، زوج زينب بنت علي بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ترجمة :

ولد الثعالبي بواد يسر قرب مدينة الجزائر، ونشأ هنالك بين أحضان والديه في أسرة علم وفضل يرجع نسبها إلى سيدنا جعفر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانت هذه الأسرة ذو ملك حيث أن الثعالبة حكموا لمدة طويلة عدة مناطق من المغرب العربي خاصة منطقة متيجة، قبل أن ينقرض ملكهم على يد أبو حمو أحد ملوك تلمسان زعيم بني عبد الواد سنة 780 هـ / 1378 م.

رغم صعوبة الظروف السياسية والاجتماعية التي نشأ فيها الثعالبي، لم يمنعه ذلك من أن يتعلم في أسرته القرآن مبكرا وأن يطّلع على كتب التاريخ والتفسير والحديث. وفي سن الخامسة عشرة سنة حوالي، هاجر مع والده بن مخلوف نحو مدينة بجاية حيث توفى والده ودفن.

فمكث في بجاية سبع سنين صاحب إثرها أكبر علماء وقته من أصحاب الشيخ أبي زيد عبد الرحمن الوغليسي (ت. 785 هـ/ 1383م) كالشيخ أبو الحسين المنجلاتي. وفي سن الرابع والعشرون من عمره، اتجه نحو تونس ولبث فيها ثمانية سنوات طلبا للعلم تعرف خلالها على الشيخ محمد بن خلف الأبي وأبو مهدي الغبريني (ت. 816ه/ 1413م).

ثم انتقل إلى مصر حيث التقى أبي عبد الله البلالي، وأبي عبد الله البساطي، والشيخ ولي الدين العراقي (ت. 826هـ/ 1422م) . ثم زار تركيا أين استُقبل استقبالا كريما وأقيمت له هنالك زاوية لازالت موجودة إلى يومنا.

وبعد ذلك، عاد الثعالبي من جديد إلى تونس عالما بعلم الحديث؛ يحكي الثعالبي : “لم يكن يومئذ بتونس من أعلمه يفوتني في علم الحديث منة من الله وفضلا. وإذا تكلمت أنصتوا وتلاقوا ما أرويه بالقبول، فضلا من الله سبحانه ثم تواضعا منهم، وإنصافا وإذعانا للحق واعترافا به. وكان بعض فضلاء المغاربة هنا يقول لي: “لما قدمت علينا من المشرق رأيناك آية للسائلين في علم الحديث وذلك فضلا من الله ومنة منه سبحانه. ومع ذلك لا أسمع بمجلس روي فيه الحديث إلا حضرته، جعل الله ذلك خالصا لوجهه، ومبلغا إلى مرضاته، وعوذ بالله أن يكون ذلك فخرا وسمعة”.

بعد أن شدّ الثعالبي الرحال لأداء مناسك الحج، رجع إلى مسقط رأسه. يروى في هذا الصدد أنه بينما كان يمر بإحدى شوارع القصبة، سمع أحد القراء يتلوا قوله تعالى: (بلدة طيبة ورب غفور) (النمل : 15)، فقال: “هذا فال حسن !”، وقرر الإقامة بها.

بعد أن كُلّف قضاء المدينة وهو في سن الرابع والثلاثين من عمره، سرعان ما تخلّى عن المنصب واختار طريق الزهد والعبادة وتعليم الناس. كان عليه رحمة الله يقول: “من علامات محبّة النبي صلى الله عليه وسلم زهد مدّعيها في الدنيا، وإيثاره الفقر، واتصافه به”. حكى الثعالبي أنه في ليلة رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على ربوة يفرق طعاما، فأقبل عليه الرسول وناوله حتى أكل كثيرا، ثم قال له: “أليس من أطعمه الرسول شيئا لابد أن يتقيأه؟ فقلت: أو أتقيأه؟ وتهيأت للقيء”. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ليس هذا أريد!”. فتفطن أن المقصود هو نشر العلم.

بعد انهيار دولة الموحدين، كان المغرب العربي في عصر الثعالبي عبارة عن ثلاثة دويلات مستقلة اشتهرت بمدارسها الفقهية: تونس، تلمسان، وفاس. فلم تتمكن مدينة الجزائر من فرض نفسها بل “كانت لا تتوفر إلا على كتيبات لتعليم القرآن، وبعض المتون، وتحفيظ الأحاديث النبوية. لذلك كانت فقيرة من الناحية الثقافية إلى حد بعيد. وحتى من الناحية الاقتصادية، لم تصل إلى مستوى المدن الكبرى” (نور الدين عبد القادر، 1965).

توفى الشيخ الثعالبي ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1474م. دفن في مسجده في قلب مدينة الجزائر. لقد تخرج عن يده من كبار علماء الأمة أمثال الشيخ شعيب السنوسي، عبد الله الزواوي وأحمد زروق.